أيام الشتاتأنا همي دلوقتي أراضي ربنا إزاي.. وعلشان ترتاح هقولك حاجة بسيطة بسيطة عرفوها وقالوها من زمن ولاد البلد بتوعنا الطيبين، ولما يأذن لك ربنا وترجع مصر يبقى امشي في أي مولد وللا لمة ناس هتسمعهم بودانك وهُمَّه بيقولوا: موسى نبي وعيسى نبي ومحمد نبي، وكل اللي له نبي يصلي عليه..
كمال رُحيّم
من كلماته
جمل منقولة بالنص من رواياته، كل جملة معزوّة إلى كتابها وفصلها. ما يقوله الراوي أو الشخصيات من عالم الرواية، لا من آراء الكاتب.
أيام الشتاتما هذا الذي جعل الشيخ منجي القوي المتين يهوي كما تهوي أوراق الشجر في الخريف، ويأتي له أهل أمي بثيابهم السود! ما هذا الذي يجمع القريب بالبعيد ويجعل من العدو زائرًا شفيقًا، ويأخذنا من حال إلى حال فنطرق رؤوسنا واجمين ساهمين نتوكأ على بعضنا البعض، ويخُرج كل منا للآخر أحسن ما فيه!
أيام الشتاتمن يراني هذا الصباح وأنا مصر على الرحيل، لا يقول أبدًا إني هذه الخرقة الملقاة الآن على مقعد بأحد أركان المطار.. وكأن جزءًا مني ومنذ البداية كان رافضًا الرحيل..
أيام الشتاتسمعت عمرك يا يعقوب أفندي عن ناس بتسرق دولة بحالها! مش ساعة وللا عربية وللا حتى بيت! دولة! دولة بحالها يا يعقوب أفندي بأرضها وناسها وبحرها وسماها وصيفها وشتاها!
أيام الشتاتجدي مقعده فارغ، فراشه فارغ، وقلبي أنا الآخر فارغ.. ويا ليتني صرت وحيدًا وانتهى الأمر، فالوحدة إذا كانت مجرد وحدة أمر مقدور عليه، إنما استبدت بي الوحشة، وأهلكني الفقد..
أيام الشتاتدا أنا زكي ابن إسحاق ابن يوسف ابن هارون ابن شمعون الأزرع. وكل دول اتولدوا وعاشوا في مصر وعمرهم ما طلعوا منها، لا راحوا يمين ولا راحوا شمال، يدوبك يروحوا مولد أبو حصيرة كل سنة ويرجعوا بعدها على بيوتهم وأشغالهم، هو أنا هفضل أهاتي لحد إمتى وأقول يا ناس! يا عالم! يا خلق! البلد دي زى ما هي بلدكم بلدي أنا راخر..
أيام الشتاتأدخل في زمرة المهمشين والهلافيت وقليلي الحيلة الذين يملؤون محطة بارباس في هذه الساعة المبكرة، ولا يعرفون شيئًا عن الذوق واللياقة. يرفسون ويضربون بالكعب ويلكزون بالكوع عند الصعود إلى المترو، وعرق وروائح تهبش الأنوف ولا تقول أبدًا إنك في بلد النور والعطور.
أيام الشتاتأنا جدك يا حبيبي، سوا كُتّ مسلم وللا يهودي..
أيام الشتاتكنت أحب باريس وهي صماء لا تشعر بي، وعندما أتيت إليها أخذت مني نادية وأعطتني راشيل! ولم تكتف!! رشحتني لوظيفة خادم، فالصبي في حانوت ما هو إلا خادم أو يكاد..
أيام الشتاتمن أنت يا فتى؟ وابن من؟ محمود أفندي الذي وضع بذرتك، أم زكي الأزرع الذي كفلك ورباك؟ وإلى أي فرع أصبحت تنتمي الآن؟ أهلك الذين بالمنصورية، لا تعرف عنهم أو يعرفون عنك شيئًا، وأهلك الذين هنا مثلهم وألعن. فلمن تنتمي إذًا؟ وكم فرنكا تملك الآن يا أستاذ؟ وهل هي قادرة على صنع إصبع أو حتى قُلاَمة ظفر لأحد يحبك مثلما كان جدك؟
أيام الشتاتلعلك لا تدري يا جلال أن أهل حيفا بعد أن نزحوا من بيوتهم، اقتحمها اليهود فوجدوا الشاي والقهوة لا تزال مصبوبة في الأقداح.
أيام الشتاتغطت حبات الثلج كل شيء وتجمعت بالأكوام، حتى إنك تحتار.. فهل أنت قبالة شيء يمكن أن تأنس له يومًا أو على الأقل تتعود عليه، أم حيال خصم جبار، شيء بارد ميت، لونه الأبيض يذكرك بالأكفان.
أيام الشتاتكانت أول حقيبة أرتب محتوياتها ليلة الأمس.. بدأت بالبيچامة التي كان يرتديها جدي وقت أن مات، ثم بقميص رمادي بكم طويل كان أثيرًا لديه، والدبلة والساعة الچوڤيال، أما الطربوش فوضعته بعلبة كرتون مُقواه أمسكتها باليد الثانية.. أحببت أن أعود بأشيائه هذه.. أحفظها بدولابه القديم..
أيام الشتاتكانت أيام حلوة يا جلال، لا تعرف المسلم من اليهودي من المسيحي، ولا حزازات ولا أنا ملتي إيه وانت ملتك إيه! كل حي في حاله والرب لا رب كوهين لوحده ولا على ولا نصيف، الرب رب الجميع، مش عارف الدنيا اتقل خيرها ليه؟!
أيام الشتاتلم يعد لهم إلا هي.. هي السلوى والحنين، وخزة الألم وطيف الأمل، هي الشمس التي غربت، ولا دفء عادوا يشعرون به.. تأتي إليهم عندما يكونون فرادى في بيوتهم، تكلمهم ويكلمونها، تغويهم فيصدقونها، تشير إليهم وإذا هي سراب!
أيام الشتاتفأنا يهودي، لدى جدي وغيره من اليهود المتدينين طالما أنجبتني واحدة منهم، يهودي! مهما صليت وصمت أو حتى حفظت القرآن كله، ولن يشفع لي عندهم ما هو مكتوب في شهادة ميلادي أو إقرارى بالفم واللسان أو بالورق والقلم بأني مسلم! مسلم! مسلم!
أيام الشتاتأبي مات شهيدًا في حرب السويس وأنا مجرد نطفة في رحم أمي يا سيدنا الشيخ، ولا أعرف في الدنيا أحدًا غيرهم.
أيام الشتاتبس دي بلدنا يا أستاذ يعقوب! اتولدنا وكبرنا فيها، عمرك سمعت عن شجرة عجوزة قلعوها من مكانها ونفعت لما زرعوها في أرض تانية!
أيام الشتاتالتأشيرة دي للأغراب إنما أنا مصري، مصري قبل أمهاتكم ما تولدكم، هو فيه حد يا ناس بيستأذن وهو داخل من باب بيته ويا يدخلوه يا لأه!
أيام الشتاتحتى باريس ضقت بها.. كانت تعني لي السيارة الفاخرة والحياة الرغدة، وأموالًا تُضاف إلى أرصدتي بالبنوك. وما قيمة كل هذا من غير قلب يفرح لفرحك وعين تحنو عليك، أو راحة يد تتحسس جبينك عندما تشكو..
أيام الشتاتالدين شيء والقلب شيء آخر، فقلوبنا هذه يا ولدي سر من أسرار الله، وما لا يجمعه الدين يجمعه القلب الطاهر النقي الموصول بالله، ففينا كلنا من أول آدم إلى أصغر مولود نفحة من الله، مسلمين كنا أو مسيحيين أو يهودًا أو حتى غيرهم طالما هم مخلوقات الله..
أيام الشتاتوأركع لله ساجدًا، أدعوه أن ينقذني من شر نفسي، وأكون لها كلي وليس بعضي.. ويومًا بعد يوم أحنو عليها، وكأن شيئًا يحدث بيننا، ليس هو الحب الذي يهدر ويطيح كموج البحر، أو يصفو ويرق حتى يبين القاع.. شيئا أراه يكبر، وليس الحب الذي يولد كبيرًا ولا نعرف بعدها منتهاه..
أيام الشتاتتعرف يا واد يا جلال أنا رجلي حفيت في ميدان الأوبرا ده.. مش الأوبرا دي، الأوبرا اللي في مصر، أصل كان فيه محل بتاع قطع غيار ساعات ورا جامع الخازندار وكنت رايح جاي عليه وسكتي ميدان الأوبرا.
أيام الشتاتفلم أكن أعرف أن قلبي، والذي هو مني، أخفاها بين ثناياه، ولما أحس بأني انسقت مع الأيام لا أهفو أو أذكر العهد، أخذ ينكأ عليَّ الجراح ويطلقها ليلوح لي طيفها أو تأتيني في منام..
أيام الشتاتوكان مشهدًا غير مألوف أن نراه واقفًا بجسده السمين وعباءته وشال العمامة ملفوفًا على طربوشه المغربي القصير، ويتمتم بشفتيه على بعد أمتار من رجل دين يهودي عليه بزة سوداء وطاقية بأعلى رأسه في حجم المنديل المثني أربع طبقات، وكلاهما يهز رأسه هبوطًا وصعودًا قارئينْ على جدي الصلوات
أيام الشتاتوأحسب أن الله كتب عليًّ أن أموت في هذا البلد الغريب، فيا ولدي أستحلفك بالله ألا تتركني وحيدًا هنا، عد بجثماني إلى مصر فلنا مقبرة هناك في البساتين، اسأل عنها، مقبرة باسم والدي إسحاق الأزرع، مفتاحها مرفق بهذا الخطاب. افعل ما تقدر عليه، اذهب للسفارة.. أرسل تلغرافًا للوزير.. للرئيس.. لأي إنسان.. قل لهم إن زكي الأزرع الميت الغريب يريد أن يعود
أيام الشتاتلم أجد حلًا إلا أن أترك حالي ومالي هنا وأعود.. لا لأهلي الذين هناك.. إنما لبلدي.. للدنيا القديمة.. للشوارع القديمة..
أيام الشتاتكنت أدع نفسي للأيام، كنت أقول: لعله ينساها.. لعل خديجة تقصيها.. لعل ولعل مع الأيام، وخلا من بالي أنه لم تعد هناك أيام.. وأكل الموت خديجة، ليصير الألم ألمين.. ألم الفراق وألم الضمير.
أيام الشتاتلما نعمل مشاريع كبيرة تعم بالخير على البلد تقولوا مصريين! ولما نكمش ونقفل على نفسنا ونتفرغ لمصالحنا تقولوا آه من ولاد الأيه دول! يهود! يهود! ولما تيجي سيرة إسرائيل تقولوا علينا صهاينة وعايزين الحرق! يعني يا أولاد الحلال الواحد منا بيتبص له على أنه معندوش هوية، هويته على قد فعله وفعله على حسب هواكم ومصالحكم..
أيام الشتاتهل العيب فيَّ.. (فرب هنا هو رب هناك).. أم أن المكان والزمان والوجدان وخلق الله الذين من حولي هم أيضًا من محركات الإيمان!
أيام الشتاتمعايا الجنسية الفرنساوية آه، لكن كذاب اللي يقول إني مطمن وعايش بين أهلي وناسي! لا لغتي لغتهم ولا طبعهم طبعي ولا عيشتي عيشتهم، لا أنا منهم ولا همَّه مني، دا أنا عامل زى التايه اللي ماشي يتلفت يمين وشمال!
أيام الشتاتلا أعرف إن كان هذا هو طبعي، أم كنت أنظر إلى المال على أنه ملجأ أحتمي به في غربتي. فمن لي؟ جد هرم، وأم هاجرت إلى دنياها الجديدة، وبلد ليس لي فيه أي إنسان.
أيام الشتاتلم أر وجهه من قبل، فصنعته بنفسي.. العينان والحاجب والجبهة وشعر أسود غزير. لم أعرف له قامة أو هيكلًا أو نبرة في الحديث فأنشأهم قلبي إنشاءً، حتى إن عقلي الذي في الباطن صدق أن هذا الذي يلوح أمامي هو أبي
أيام الشتاتفيبدو أن كُلاَّ منا، ودون أن يدري، كان يصنع الآخر على هواه. أراها مسلمه، وتراني يهوديًا..
أيام الشتاتأقصد اللهجة المصرية! فهي خفيفة الظل، ملساء، تنساب من الفم برشاقة ولها وقع السحر على الأذن.
أيام الشتاتوعندما أراها خجلى لا تتكلم فإني أعرف أنها تتكلم، ويوم تلحظ صمتي وأني لا أقول فهي تدري بأني أقول. كنا نتكلم ونحلم، ولا نعلم أن الدنيا تعد لنا وتدبر..
أيام الشتاتوالغريب أنه أصابتني رجفة عندما قالوا إن الطائرة أقلعت، أحسست لحظتها بأنها هي التي تركتني ولست أنا الذي تخليت عنها.
أيام الشتاتالطربوش! هناك، مغلق عليه في دولاب معتم، وهو! هنا، كالميت في مسكن هواؤه راكد رطب، وليس له من دنيا في الدنيا الكبيرة التي هو فيها، باريس التي يقولون عنها بلد النور، غير سرير وحمام ومنضدة يزدرد عليها الطعام كلما نادوا عليه.
أيام الشتاتوأحسب أن اليهودي إنسان والصهيوني إنسان آخر، وكان جدي مثلًا حيًا من لحم ودم لليهودي الصالح الذي كفل يتيمًا مسلمًا معوزًا مثلي، ويسر له كل سبل الحياة على قدر ما يستطيع، بل وفضله على غيره من أحفاده الخُلَصّ. جدي الذي لم يفرق بين دينه الذي يحبه ووطنه الذي ولد وتربى فيه، فكلاهما مقدس لديه وواجب الاحترام.
أيام الشتاتعايزك بعد ما تخلص مشوارك مع أم حسن تقف على المحطة دي قيمة نص ساعة وللا أكتر، وتقعد تتلفت حواليك وعلى المحلات اللي قدامك ووراك والناس اللي طالعه ونازله من الترماي.
كلمات الراوي أو الشخصيات في الرواية تعبّر عن عالم العمل الأدبي لا عن آراء الكاتب الشخصية.
