أحلام العودةوأسأل نفسي مَنْ أقرب إلى قلبي هي أم أمي التي ولدتني؟! وإلى أي من هذين القلبين أنا قريب؟
كمال رُحيّم
من كلماته
جمل منقولة بالنص من رواياته، كل جملة معزوّة إلى كتابها وفصلها. ما يقوله الراوي أو الشخصيات من عالم الرواية، لا من آراء الكاتب.
أحلام العودةالشارع راح لطفه وطيبته وسماحته، وشجره الذي كان يعرفنا ونعرفه، ويحتوينا بظلاله كلما اقتربنا وترمقنا من علٍ شواشيه، ويطالع كل هلَّة صبح معنا كأنها أول نور له ولنا في الحياة..
أحلام العودةوكانت لنا صورة معًا بالأبيض والأسود أسفل زجاج التسريحة، هي بثوب بلا أكمام وأنا في حجرها، فعلت المستحيل لتخرجها من موضعها غير أن الصورة أبت، فبفعل الزمن أمسكت بالزجاج وصارا كُلًّا واحدًا.
أحلام العودةأما الدبلة التي أخرجتها من إصبعه يوم أن مات لم أجد مكانًا أحن عليها من إصبعي
أحلام العودةوتستغرقني الذكريات حتى أبدو أمام نفسي وكأني أعيش الماضي وليس الحاضر، صحيح أن الخيال يجلب المتعة وفي الذكرى شجن لذيذ، لكن ما الجدوى! أصبح حالي حال من يشتمُّ الزهور فتطربه رائحتها، دون أن تملأ له جوفًا أو تدفعه خطوة إلى الأمام.
أحلام العودةصحيح هي جماد في جماد، غير أنها جماد له مساكن في القلب.. ولو أنصفت لقلت إني منها ولو كانت جمادًا، وهي مني وإن صورني الله على هيئة إنسان..
أحلام العودة- كانت عِشْرة يا ابني، والعشرة متهونش إلا على ولاد الحرام.
أحلام العودةزي ما يكون الزمن دار بيَّه وشايفاك قدامي دلوقتي وإنت بتزحف على إيد ورجل وجاي جري عليَّه، وللا أول يوم رحت فيه المدرسة ماسك في إيد جدك زكي وأنا من البلكونة ببص عليك.
أحلام العودةولقيت نفسي ألقي بجسدي عليها مثلما فعلت هي قبل لحظات، وأقبلها على خديها ويديها ومفرق شعرها الذي يلوح من وراء طرحتها السوداء، أسلم كل منا نفسه للآخر، كأننا لحم وعظم يعاود الالتئام.
أحلام العودةالأرض دي يا ابن أخويا مش أردب قمح وللا قنطار قطن تبيع وتشتري فيه، دي زي النَّفسَ الواحد يفضل متبِّت فيه لحد ما روحه تطلع، اتولدنا وكبرنا عليها وعلى خيرها
أحلام العودةوبتُّ ليلتي وحيدًا إلا من أطياف من كانوا يومًا في هذا المكان، يخايلونني وأخايلهم، يحدثونني وأحدثهم، ويُقْبلون ويُدْبرون.. وكأني أعيش زمنًا، غير الزمن الذي كنت فيه.. زمنًا خُلق لتوِّه، أنا الفاعل فيه والمفعول..
أحلام العودةألا أسمع وسوسة الشيطان وأرجع إلى بلدي بجماله وقبحه، بقنوطه وضحكاته، وأحرص على أن يكون لي وطن له نبض وعروق، وليس شيئًا مطمورًا في دهاليز القلب وعتامات الغربة والشتات..
أحلام العودةيفطن عقلي قليلًا، فأعرف أني مسلم يعيش بين يهود.. الأم والجدة والجد والخالة والخال.. غير أنه لم يكن لي غيرهم، وكنت عزيزًا على جدي زكي بالذات أكثر من أيٍّ من أحفاده اليهود في يهود..
أحلام العودةكان حزنه حزنهم وكربه كربهم، غير أنه شعر بأنه إذا اختلط وقال فقوله مجروح وأيًا كان ما يبوح به فبوحه قابل للتأويل
أحلام العودةنفسي أعيش هنا على طول، نفسي أكمل في بلدي لأني مهما كبرت بره لا عمري هبقى حاجة هناك ولا حد هيحس بيَّه، وتلاقيني برضه عايز ألمّ شنطي وأرجع تاني، ومن الصبح كمان!
أحلام العودةوالشارع الذي أعرفه قل عليه: يا رحمن يا رحيم، وكأن شياطينَ لا بشرًا استباحوه!
أحلام العودةهو بيتي.. فيه جَدي وهزلي، ودقات على الباب من أصحاب، وموطن سترني بعدما عز على أهل أبي حتى السؤال..
أحلام العودةقلت له عما أجهله ليس رغبة في ألاَّ أخيب ظنه في اهتمامي بما يقول، وإنما كي أجاريه ولا أقتل ما هو حيُّ في قلبه، ويريده باقيًا ليعود إليه زائرًا ذات يوم ويراه.
أحلام العودةوتهفو نفسي إلى أمي التي هناك، بيني وبينها هي الأخرى بحر كبير، وبلاد وراء بلاد، وحراس يقفون على الحدود..
أحلام العودةتجاعيد الوجه لوحة ربانية تقصم ظهر أي رسام، وإن حاكاها ولو حرص تخونه الفرشاة.
أحلام العودةفلم أتمسك بها لمجرد الشهامة ورد الجميل، وإنما على أنها أم صنعتها واصطفيتها لنفسي عوضًا عن كل ما أفتقده في أمي التي أخرجتني من أحشائها.
أحلام العودةهنا ولدت وكبرت.. ولعبت وأحببت، ورحلت وأُبْتُ..
أحلام العودةفلا يعرف اليتم إلا من جربه.. إحساس بالخواء، كأنك قطرة ماء تسربت فتشربتها الرمال
أحلام العودةوأقول في نفسي: أهذا الملتوت المعجون في حواري الظاهر وسيدنا الحسين ليس في بيته وبين أهله الآن، أم هو مجرد رجل غريب حطت رحاله عندنا، ومن حيث أتى سوف يعود حسبما تقول الأوراق والأضابير!!
أحلام العودةفهكذا حالي مع أمي، في البعد تنازعني نفسي كلما جُرْت عليها، وإذا التقينا يلوك القلب فيما لا يقال..
أحلام العودةهل لأن تلكمُ الشوارع ليست شوارعي؟ لا حبوت عليها يومًا، ولا كان لي فيها صِبَا.. وما بال شوارع مصر وأخنانها، فكأنها الأخرى لم تعد شوارعي.. الأولى لا تعرفني، والثانية لم تعد..
أحلام العودةينظر وأنا الآخر أنظر.. يسأل وأنا الآخر أسأل، غير أن كلًّا منا لا يملك للآخر جوابًا..
أحلام العودةهل أنا لحمهم ودمهم فيفسحون لي الطريق، أم بَلْوَى حطت عليهم من السماء لتأكل من أكلهم وتتسمى باسمهم؟!
أحلام العودةفهل فينا شيء يعمل بمعزل عنا؟! شيء بصره حديد، يرى لحظة ما نرى، غير أنه يرى لنا ما لا نراه، وعندما تكون الساعة ساعة خاطر وتذكُّر يلوح لنا بما رآه..
أحلام العودةأصبحت خلقًا آخر، وسنة تلو السنة حتى صارت تاجرة وصاحبة مشاريع وأرصدة في البنوك، وطبع كطبع الذئاب.. تبدلت من النقيض إلى النقيض..
أحلام العودةفما هذا الذي يرونه؟ الميت يهودي والعزاء عزاء مسلمين!
أحلام العودةأخال نادية.. ولحظات زمن عشناها من قبل، أعيشها مرة ثانية..
أحلام العودةنادية التي كنت تعرفها لم تعد.. فابحث لنفسك عن طريق غير الطريق الذي أمضي فيه، فأنا الآن أمّ لم يعد يشغلها إلا ابنتها ريم، وامرأة زوجها في الممات أعز عليها مما كان في الحياة..
أحلام العودةهنا أول شهيق.. وأول زفير.. أول بكاء.. أول بسمة.. أول ضحكة.. أول كل شيء..
أحلام العودةأفق وأمسك بزمام لسانك يا بن الناس، فالماما والبابا لا تقال هنا، تقولها عندما تكون في باريس بين أهل أمك اليهود..
أحلام العودةنفرق إيه أنا وللا إنت وللا هو عنهم؟ بنمشي كلنا في شارع واحد، وبنركب هو هو الأتوبيس، وولادنا بياخدوا هي هي الشهادة وبنقروا هو هو الجرنال، والزعل واحد والفرح واحد!
أحلام العودةصحيح أني رجعت إلى بلدي، لكن أين أجد بلدي.. في حب ضاع، أخت لا أعرفها ولا تعرفني، أو عم يتجهمني.. أم في مرتع شربت فيه ولعبت، وذكرى لا تزال تسكنني، وعجوز أخالها أمي..
أحلام العودةطفقت أسأل نفسي للمرة الألف، من أنا؟! ولمن أنتمي؟! ولماذا أنا من دون الناس خرجت من رحم يهودية وظهر شهيد؟!
أحلام العودةدنيا تشد البصر كما لو أنها تستحق الإعجاب، وفوضاها تبدو وكأنها محكومة بقانون..
أحلام العودةوأيام طوال كنا فيها معًا نتكلم ونحلم ونبني معمارًا في الهواء، وإذا غلب علينا الصمت يغدو الصمت ذاته أشهى من الكلام وله حلاوة بغير انتهاء.
كلمات الراوي أو الشخصيات في الرواية تعبّر عن عالم العمل الأدبي لا عن آراء الكاتب الشخصية.
