أيام لا تُنسىالذي جذبني بحق هو مسكن الجد، فرغم أنه مجرد بناية بالطوب اللَّبِن، بناية لا معنى لها تطل علينا من وراء الباب الخشب، إلا إنها أعطتني أول درس في التساؤل والفضول!
كمال رُحيّم
من كلماته
جمل منقولة بالنص من رواياته، كل جملة معزوّة إلى كتابها وفصلها. ما يقوله الراوي أو الشخصيات من عالم الرواية، لا من آراء الكاتب.
أيام لا تُنسىوأسمع بموت أحدهم فيلحُّ عليَّ وجهه ليل نهار، وأنساق معه إلى الماضي البعيد، تطفو أمامي أشياء له من ثلاثين وأربعين سنة، صغائر ومنمنمات ما كنت أحسب أبدًا أن لها وجودًا في الذاكرة، كما لو أن صاحبها هذا حي بداخلي وأنا لا أشعر ولا أحس!
أيام لا تُنسىفلم يكن بيتنا مجرد بيت، جمادًا بغير قلب، أسقفًا وجدرانًا ونوافذ من خشب، بل حياة بأكملها، لها روح ونبض وأحاسيس، حياة كان لي فيها أول شهيق.. أول زفير.. أول بسمة.. أول ضحكة.. أول لمسة.. أول كل شيء، حياة عرفتها وعرفتني من قبل أن أحبو على قدميّ..
أيام لا تُنسىأتذكر هذا الآن ولا أستغربه، فقد أحاط بي الجد من كل ناحية، لم أكن أرى في الدنيا سواه..
أيام لا تُنسىفهكذا الذاكرة، كما لو أن لها إرادة وتعمل بمعزل عنا، تستبقي ما تشاء وتلفظ ما تشاء دون تدخل منا.
أيام لا تُنسىوراح البيت.. راح إلا أنه لا يزال مطبوعًا في قلبي مثلما كان، ولا يمر يوم إلا وأخال نفسي فيه..
أيام لا تُنسىانفجرت معه، بكيت لما بكى.. فلم أشاهده من قبل مهزومًا على هذا النحو، ولا دار في خاطري على الإطلاق أنه يعرف الألم ويتوسل إليه بالبكاء كالصغار أمثالنا!
أيام لا تُنسىلم يرد في خاطري مرة إلا وأنا في أقصى حالات الاستقبال، إلا ويغمرني شجن لذيذ، وكأن الزمن غير الزمن وأنا الولد الصغير والجد عاد إلى الحياة!
أيام لا تُنسىفتنتابنى رعشة مما تقول، رعشة بالفعل وليس مجرد كلام أقوله الآن، وأحس بأن الحياة لن يكون لها طعمٌ ولا معنى بعد أن يموت.
أيام لا تُنسىنادى عليها كما لو أنها موجودة معنا في الغرفة، سكرات وهلاوس، ربما! لكن الأمر بالنسبة إليه لم يكن كذلك، بدا وكأنه يراها بالفعل، أو في أدنى حد يشعر بها عن طريق آخر غير طريق البصر والعيون.
أيام لا تُنسىلن تضيع هذه العصا أبدًا من الذاكرة، فطالما هَشَّنا بها نحن الأحفاد، أو أشاح بها في وجوهنا بغضب، كنا نفر منه كالفئران ويا ويلنا ساعتها إذا لحقت بنا يداه.
أيام لا تُنسىلا تناسبكم أنتم، لكنها تناسبني أنا.
أيام لا تُنسىفالطفل الذي يعيش بداخلي كان أقوى مني بمراحل، الطفل الذي ركله الموت وخطف منه جدته التى كانت تحكي له (الحواديت)، فإلى الآن وبعد كل هذه السنين، لا يزال يذكّرني بنبرة صوتها ورعشة الملعقة في يدها عندما كانت تطعم نفسها.
أيام لا تُنسىمسكين هذا الجد، فلولا عقله الخفيف لكان شيخًا من شيوخ الأزهر أو داعية من الدعاة الكبار، لا مسخة في أفواه الناس وحرفوشًا من حرافيش الشوارع!
أيام لا تُنسىالساقية لا تزال تعمل إلى الآن بأرضنا القبلية، البشر هم الذين بادوا! قضوا كلهم!
أيام لا تُنسىأتذكر أسماء كل هؤلاء وتارة أنساها، كذلك الوجوه، وإن كان بعضها يبدو لي واضحًا وبعضها ملامحه غائمة، ومنهم من يغيب عني بالسنين ثم فجأة يلوح، يلوح بغير سبب وبدون حتى أن أستدعيَه.
أيام لا تُنسىوبرحيلي وبموت أمي وقبلها أبي، انقطعت رائحتنا من البيت.
أيام لا تُنسىفاسم الجد لم يكن متداولًا بيننا، غريب علينا لو سمعناه، ولا حتى كان يناديه به أحد في البلدة، لا يقال إلا حضرة العمدة أو أبا الحاج..
أيام لا تُنسىلا. لا. أنا عايزك تبقى قاضي، ولما تحكم بين الناس تحكم بالعدل.
أيام لا تُنسىكما للحاضر أناسه الذين نراهم ويروننا نكلمهم ويكلموننا، الماضي هو الآخر له أناسه ويعيشون فينا بقدر ما نعيش، فلهم حضورهم ولهم وجود وإن شئنا رأيناهم وكلمونا وكلمناهم..
أيام لا تُنسىهذا الزائر غير المرحب به.. الغامض الغادر الخفي، الذي يقتلنا دون أن نراه.. أين هو؟ معنا هنا؟ أم في حيز من هذه السماء يسكن ويعيش؟
أيام لا تُنسىأنا عن نفسي آثرت الفرار، لم أشأ البقاء في هذا الجو، قفزت من البيت مثلما تقفز الفئران من المراكب الغارقة.
أيام لا تُنسىكان يحبها.. لم تكن بنتًا من بنات البيوت الكبيرة، فلاحة من بيت بسيط، التقاها صدفة وتعلق بها، حارب الدنيا من أجلها، أباه وأمه وكل من تربطه بنا صلة رحم.
أيام لا تُنسىفكأني أقف على حافة بئر سحيقة، طِلَّسم من الطلاسم، فلم أرَ من قبل أحدًا يموت أمامي، لم أجرب هذا الشيء الكبير، ولا كنت أعرف معنى كلمة الموت ذاتها، سمعت بها فقط في الحكايات و(الحواديت).
أيام لا تُنسىساعة وأنا أهيم في الأحداث القديمة.. في أطيافها التي كانت شخوصًا يومًا ما، والدنيا التي عاشوها، حتى أشياؤهم الصغيرة لم تفارق الذاكرة..
أيام لا تُنسىربَّت على كتفي بحنان وطلب مني العودة إلى البيت حتى لا يقلقوا عليَّ، غير أني مكثت وشعر هو بأني أواسيه، فاغتصب ضحكة كأنما يقول لي بها إنه لا شيء به، ورغم أنه ضحك إلا أني لمحت دمعة تطفر من عينيه..
أيام لا تُنسىكنت ببساطة مسحورًا به، مسحور لدرجة مؤذية، وكانت المشاعر تأخذني لبعيد وأتمنى لو كان هو أبي!
أيام لا تُنسىأعرف البكاء وكل يوم أراه وأسمعه، لكنه في هذا الوقت كان مختلفاً، فالموت فعلاً له نحيبه الخاص!
أيام لا تُنسىهو ليس أبي، جدي هو أبي.
أيام لا تُنسىصورة من الزمن القديم، زمن الطربوش وساعة الجيب..
أيام لا تُنسىتطور من الداخل، وعوض نفسه عن بصره الذي كلّ وأصابته الشيخوخة. هرس سكك البلدة على مدار عمره الطويل، وخرائط خرائط مرصوصة في دماغه، لكل شارع أو حارة أو زقاق، المداخل والمخارج والانحناءات.
أيام لا تُنسىأنا مش خايف إلا من عمامك دول، هما اللي هيخربوا البيت بعد ما أموت.
أيام لا تُنسىلا إشارة ولا اسم يدل على اللوكاندة، لكني أعرفها مثلما أعرف كف يدي وبِتُّ فيها ليال كثيرة، فعلى مدار ثلاثة أجيال لم نكن ننزل إلا بها.
أيام لا تُنسىروحه في الأرض، يحبها مثلما يحبنا، وإذا تفشت الدودة في أعواد القطن سنة من السنين أو خابت زرعة من الزراعات، كان الحزن يخيم عليه ولا نستطيع ساعتها الاقتراب منه. خمسون سنة والأرض عينه وعافيته، حتى أصابه التعب.
أيام لا تُنسىأناس كالجد عبداللطيف، لن يغيبوا أبدًا عن الذاكرة.. ليسوا هم فقط، أشياء أخرى، وربما صغيرة ولا معنى لها عند الآخرين، إلا أنها تعني لي الكثير: نبرة صوت رحل صاحبها، نظرة عاتبة، كلمة آلمتني وقتها ولا تزال، حتى الباب الخشب الذي كان يفصل بيننا وبين سكن الجد، لا يزال باقياً بصريره المتألم المستغيث!
أيام لا تُنسىلم يَطُل الأمر أكثر من ذلك، فأمي الأكثر دراية بمن هم في اللحظات الأخيرة، همست لي بأن أخرج الآن، لم تشأ بقائي لحظة خروج الروح..
أيام لا تُنسىكنا نحفظ سعلاته عن ظهر قلب.. كل سعلة لها المقام الموسيقي الذي يخصها، سعلة تقول لنا: إنه قادم من بعيد وعلينا الانتباه، وأخرى يستهل بها الحديث، وسعلة تحذير إذا شعر بأي تجاوز للحدود
أيام لا تُنسىومن يومها دخلت قلبه.. أحبني وأحببته..
أيام لا تُنسىكان حدثاً فارقاً في حياتي، فلم أعرف الموت من قبل، ولا جربته على أحد ممن أحبهم، موت الجدة بالنسبة إليَّ كان أول وأصعب تجربة..
أيام لا تُنسىسيتذكرونه شهرًا، شهرين، وإن بالغنا نقول سنة، أما أنا فسوف يبقى معي إلى أن أموت.
كلمات الراوي أو الشخصيات في الرواية تعبّر عن عالم العمل الأدبي لا عن آراء الكاتب الشخصية.
