عوالم كمال رُحيّم The Worlds of Kamal Ruhayyim

كمال رُحيّم

من كلماته

جمل منقولة بالنص من رواياته، كل جملة معزوّة إلى كتابها وفصلها. ما يقوله الراوي أو الشخصيات من عالم الرواية، لا من آراء الكاتب.

فارغة، باردة، لا أنفاس تخرج منها أو تأتيها، ولا حركة ولا صوت أو حتى سَعْلَة، وهي التي كانت تشغي بالزحام والداخل والخارج كما لو أنها خلية نحل أو بيتٌ من بيوت النمل.. ضابط صغير برتبة ملازم هو كل الموجودين فيها، مَطْويٌّ على نفسه وراء مكتبي القديم، فلا معنى له ولا هيبة ولا قيمة بغير الناس

بورسعيد 68

ويومًا بعد يوم نشأت أُلْفةٌ بيني وبين المكان.. الشوارع.. شارع أوچيني والتلاتيني أو شارعَيْ كسرى ومحمد علي، وبيوت ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، البيوت الطيبة الوديعة ذات البواكي والشرفات الخشب، ودكاكين شارع التجاري بأحجامها التي لا تتعدَّى أحجام علب السجائر وكل واحد منها يحوي ألف صنف وصنف

بورسعيد 68

وعندما تجاوزنا مدينة الإسماعيلية وأصبحنا بحذاء القناة وَجَم كل الباص، وطفق الركاب ينظرون لبعضهم البعض ومنهم من يتأمل من النافذة بحسرة، كان العدوُّ على الضفَّة الثانية ويقيم سدًّا بيننا وبينه (خط بارليڤ)، ومركب غارقة في مجرى القناة نصفها مطمور في الماء والنصف الآخر مرفوع إلى أعلى وتعلوه أسراب من طائر النَّوْرَس

بورسعيد 68

كان نائمًا على مصطبة بجوار المقبرة، والنومة نومة عجيبة، رأسه بين ذراعيه وركبتاه مثنيتان حتى منتصف بطنه، الوضع الذي يأخذه الجنين وهو في رَحِم أمِّه، وانتابتني عدة مشاعر لا علاقة لها ببعضها البعض، شفقة على دهشة على فضول على رثاء، ولم يَدُرْ في بالي مطلقًا أن هذا الإنسان سوف يقفُ معي وقفةً لا تُنسى..

بورسعيد 68

ونُفاجأ بعشرات الناس يتوافدون علينا، ومنهم كبار في السن ومنهم نسوة والكل مصمم على الإحاطة بالصاروخ وحمايته، والذي أو التي تتحسَّسه ونحن ندفعها بعيدًا، والتي رمقته بعينيها وأسرعت إلى بيتها ووراءها ثلاثُ أو أربعُ نسوةٍ وعُدْنَ بملاءات أسِرَّة وألحفة وبطاطين، والتي نزعت ستارة نافذة من نوافذ بيتها وكلهن يُرِدْنَ تغطية الصاروخ وحجبه عن أعين الأعداء.

بورسعيد 68

فرغت بورسعيد كما تفرغ قارورة العطر من محتواها الذي يعطيها القيمة.. وكان غريبًا على السمع والبصر وباقي الحواسِّ أن تتوقف الحياة بهذا الشكل، أو في أدنى الحدود تخفُت الحركة ومعها الوَنسِ والاطمئنان والأُلْفة، فلم يَعُد باقيًا في البلدة بطولها وعرضها وسمائها وبحرها سوى القليل من الناس، وعدةُ مَحالَّ ومقاهٍ ودكاكين..

بورسعيد 68

لَحِقتْ به، قتلها الهَمّ، لم تذرف دمعةً واحدة، تعطل الدمع وليته ما تعطل! فبعد أسبوع انكفأت على وجهها وأشهُر وغادرتنا، أبي الضاحك البَشُوش المقبل على الحياة عاش بعدها سنينَ طويلة، لكن من هذا الذي عاش وبقي معنا؟! واحد آخر ليس فيه شيءٌ من أبي، صامت مُتجهِّم مكروش النّفسِ..

بورسعيد 68

واشتد ألمي على طفل بالذات من بين الضحايا، كان مُمدَّدًا على أحد الأرصفة ويداه تحيطان برأسه وقد فارق الحياة، مات من لحظة خوف، سقط وهو يجري خائفًا من صراخ الطائرات واصطدم رأسُه بحافَّة الرصيف، قتله الفاجر ذو النظارة الرِّيبَان الذي يحلق في الأعلى وشاركه الفعلَ رصيفٌ أعمى بغير قلب..

بورسعيد 68

بورسعيد خبيبي هي أُمّ وأب، مس أعرف في الدنيا دي غيره، عيس وملخ مع ناس هنا، المدام بتاعي أنا اتجوِّزتُوا من هنا بنت المقدِّس لبيب بتاع البيكيا والخاجات القديم، أنا مس كوتاريللي تاجر كبير بتاع دخان وللا إستافيليدس مستورد خشب، دي ناس عنده فلوس وبيوت في أوربا وأمريكا ويقدر يعيس هناك، أنا مسكين خبيبي ولو فيه خراب لبورسعيد يبقى فيه خراب لتودري.

بورسعيد 68

كلمات الراوي أو الشخصيات في الرواية تعبّر عن عالم العمل الأدبي لا عن آراء الكاتب الشخصية.

تابع إلىالإنسان