بورسعيد 68وجاء الحقُ وزَهَقَ الباطل.. وهلَّت الفرحة، آه والله هلت.. ضحكت لنا الدنيا وشهرًا بعد شهر رجع الناس، وأصبحت الشوارع كشوارع القاهرة والإسكندرية وكل بلادنا في الدلتا والوادي، زحام في زحام والمقاهي والمَحالُّ والجوامع والكنائس متروسة حتى آخرها
كمال رُحيّم
من كلماته
جمل منقولة بالنص من رواياته، كل جملة معزوّة إلى كتابها وفصلها. ما يقوله الراوي أو الشخصيات من عالم الرواية، لا من آراء الكاتب.
بورسعيد 68فارغة، باردة، لا أنفاس تخرج منها أو تأتيها، ولا حركة ولا صوت أو حتى سَعْلَة، وهي التي كانت تشغي بالزحام والداخل والخارج كما لو أنها خلية نحل أو بيتٌ من بيوت النمل.. ضابط صغير برتبة ملازم هو كل الموجودين فيها، مَطْويٌّ على نفسه وراء مكتبي القديم، فلا معنى له ولا هيبة ولا قيمة بغير الناس
بورسعيد 68إيش تقول! الله يخزيك! هاذول ما في حكم يمينك ولا يميني ولا يمين أي إنسان، هاذول في كفِّ الله الآن يا ولدي.
بورسعيد 68وعجوز تقف طوال النهار أمام مدخل القهوة وأمامها طاولة فوقها جوارب ومناديل ومستلزمات تُباع للنسوة، عَرَّتْ رأسها دون أن تقصد أو حتى تشعر ورنَّت زغرودةً جلجلت في السماء، وما نشعر إلَّا وكلنا نصفق لها، لم أقُلْ لكفَّيَّ صفقا، فعلتا ذلك دون أن أحس..
بورسعيد 68كان هذا اليوم أول يوم في شهر أغسطس 1968، وأول يوم أرى فيه بورسعيد بالعين، قلبي هو الذي كان يعرفها من قبل..
بورسعيد 68فهمس للباقين بأن يكمنوا في مواضعهم وزحف وتسلل هو حتى وصل إلى هذا المزغل وسد فَوَّهته بجسده.. تلقى ليس عشرات الطلقات بل المئات من ماسورة المدفع الخارجة منه، وظلَّ منصوبًا عليه حتى بعد أن مات.. فعلٌ لا يحدثٌ ولو من شخصٍ مجنون..
بورسعيد 68حقَّك عليَّه يا باشا، بس دي بورسعيد أمِّي وأبويا وشرفي.
بورسعيد 68الثابت أن ضرباتٍ شديدةً كانت تُكال للعدوِّ من موقعٍ ما في بورسعيد ويصاحبها هذا الدوي وهذه الخلخلة، وما عدا ذلك أساطير اخترعها الناس، ولا أدري لماذا تصوروا هذه الآلة أو الآلات التي تفعل ذلك على شكل مدفع وتفنَّنوا في رسم هيئته
بورسعيد 68ويومًا بعد يوم نشأت أُلْفةٌ بيني وبين المكان.. الشوارع.. شارع أوچيني والتلاتيني أو شارعَيْ كسرى ومحمد علي، وبيوت ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، البيوت الطيبة الوديعة ذات البواكي والشرفات الخشب، ودكاكين شارع التجاري بأحجامها التي لا تتعدَّى أحجام علب السجائر وكل واحد منها يحوي ألف صنف وصنف
بورسعيد 68وعندما تجاوزنا مدينة الإسماعيلية وأصبحنا بحذاء القناة وَجَم كل الباص، وطفق الركاب ينظرون لبعضهم البعض ومنهم من يتأمل من النافذة بحسرة، كان العدوُّ على الضفَّة الثانية ويقيم سدًّا بيننا وبينه (خط بارليڤ)، ومركب غارقة في مجرى القناة نصفها مطمور في الماء والنصف الآخر مرفوع إلى أعلى وتعلوه أسراب من طائر النَّوْرَس
بورسعيد 68وكنا نصل الليل بالنهار والموتى والجرحى بالمئات، كبار وصغار ورضع ورضيعات لا يعرفن من هذه الدنيا سوى حلمات الأمهات، وردم وغبار يملأ الجو ورائحة بارود..
بورسعيد 68فكل ما كان يملكه خمس جواميس وجدوا أربعة منها في زريبته والخامسة مضروبة بالنار وميِّتة في المصرف، فالمسكينة هذه هي التي تسلَّلت من الزريبة وغطست في المصرف لتستحِمَّ ونحن الذين أرديناها! وقُيِّدت القضيةُ ضد مجهول..
بورسعيد 68ما كان يمثل لها مشكلة وتودُّ أن تقول كلمتها فيه أنه إذا أردنا العدل علينا أن نضع أنفسنا في موضع الطرف الآخر، وأنه كما يُحرِّم ديننا أمرًا ما فلا يجب أن نلوم إذا سلك الآخر نفس المسلك، فهذا حقٌّ من حقوقها وتأبَى عليها كرامتها أن تناور وتداري فيه
بورسعيد 68ولوازم وأغراض مرمية، سلاسل مفاتيح، حوافظ أوراق أو نقود، ساعة حائط تهشم زجاجها والعقارب ماتت، حفنة مسامير على صواميل في كيس بلاستيك، جورب، فردة حذاء، رأس ماكينة خياطة، شماعات ومنامة أو بنطال أو قميص لا يزال معلقًا بها، ومساطر وأقلام وكتب وكراسات..
بورسعيد 68البحر بطُولِه وعرضِه والعمق كوكبٌ هو الآخر.. لا تفيه كلمة ولا عبارة أو كتاب كله شرح.. واعرٌ، مالحٌ، غويط، وقلبُه كقطعة الحديد لا رحمة يعرفها ولا رفق، وإن خُضتَ فيه وهو معتلُّ المِزاج يفتك بك، فلا أمان له حتى وهو مبتسم لطيف أو وهو ناعس مغمض العينين..
بورسعيد 68كان نائمًا على مصطبة بجوار المقبرة، والنومة نومة عجيبة، رأسه بين ذراعيه وركبتاه مثنيتان حتى منتصف بطنه، الوضع الذي يأخذه الجنين وهو في رَحِم أمِّه، وانتابتني عدة مشاعر لا علاقة لها ببعضها البعض، شفقة على دهشة على فضول على رثاء، ولم يَدُرْ في بالي مطلقًا أن هذا الإنسان سوف يقفُ معي وقفةً لا تُنسى..
بورسعيد 68وقلنا أيضًا إنه ربما كان يقصد بهذه البصمة ألَّا يفضَّ الخطاب سواها، أو لعلَّه شعر بدُنُوِّ الأجَل وحرص على أن يرسل لها شيئًا من ذاته ومن الأرض التي مات فيها.. لعلَّهُ.. ربَّما.. كأنَّما..
بورسعيد 68والفراق عندي فراق أخي الضابط في الاستطلاع الذي راح أول أيام حرب 67، راح دون أن نعثر له على جسد أو أي شيء من رائحته وهو يموت، لا سُتْرة ولا قميص ولا منديل أو كلمة في خطاب كان يود إرسالها لنا لكن الموت سبق
بورسعيد 68وكان الموتُ أقوى منها، فعلَى مَنْ تثور؟ على شهيدٍ عند الله! أم على ابنةٍ انقصمَ ظهرُها.. تقبَّلت..
بورسعيد 68ونُفاجأ بعشرات الناس يتوافدون علينا، ومنهم كبار في السن ومنهم نسوة والكل مصمم على الإحاطة بالصاروخ وحمايته، والذي أو التي تتحسَّسه ونحن ندفعها بعيدًا، والتي رمقته بعينيها وأسرعت إلى بيتها ووراءها ثلاثُ أو أربعُ نسوةٍ وعُدْنَ بملاءات أسِرَّة وألحفة وبطاطين، والتي نزعت ستارة نافذة من نوافذ بيتها وكلهن يُرِدْنَ تغطية الصاروخ وحجبه عن أعين الأعداء.
بورسعيد 68فرغت بورسعيد كما تفرغ قارورة العطر من محتواها الذي يعطيها القيمة.. وكان غريبًا على السمع والبصر وباقي الحواسِّ أن تتوقف الحياة بهذا الشكل، أو في أدنى الحدود تخفُت الحركة ومعها الوَنسِ والاطمئنان والأُلْفة، فلم يَعُد باقيًا في البلدة بطولها وعرضها وسمائها وبحرها سوى القليل من الناس، وعدةُ مَحالَّ ومقاهٍ ودكاكين..
بورسعيد 68إحنا رجَّالة يا سيادة النقيب، وعمرنا ما نسبب أذى للي وقع في عرضنا ولو حزُّوا رقبتنا بالسيف.
بورسعيد 68ويلوح لى وجه أخي فأتأمل الساعة التي تحيط بمعصمي، ساعته! لم يرَها ولا فرح بها، يوم ميلاده كان على وشك وابتعتُها له غير أنه لم يعُد، غاب الغيبةَ التي لا يأتي منها أحد، لم أشأ حفظها فدفءُ يدي أحنُّ عليها من أدراج وأرفف الدواليب..
بورسعيد 68فهكذا كان حالي وحال غيري من المدنيِّين العُزْل طوال أيام الحرب، الموت يُشاطرنا حياتنا، يأكل ويشرب معنا، أحبَّنا، أعجبته شوارعنا وبيوتنا حتى أولادنا الصغار أعجبوه ويودُّ اللعب معهم، اسْتملَحَنا اللعينُ وأنفاسُه تخالطُ أنفاسنا صباح مساء..
بورسعيد 68انحنيتُ ولثمتُ يده عدة مرات، لم أفعلها من قبل إلا مع أبي.. كان أبي في هذه اللحظات.. هذه آخر مرة رأيتُه فيها، فبعد أيام دخل عليه عسكري المراسلة بفنجان القهوة الذي طلبه قبل دقائق، وجده كالنائم في المقعد، نظَّارة القراءة سقطت في حِجْر البنطال ورأسهُ مائلٌ على صدره.. مات..
بورسعيد 68لَحِقتْ به، قتلها الهَمّ، لم تذرف دمعةً واحدة، تعطل الدمع وليته ما تعطل! فبعد أسبوع انكفأت على وجهها وأشهُر وغادرتنا، أبي الضاحك البَشُوش المقبل على الحياة عاش بعدها سنينَ طويلة، لكن من هذا الذي عاش وبقي معنا؟! واحد آخر ليس فيه شيءٌ من أبي، صامت مُتجهِّم مكروش النّفسِ..
بورسعيد 68واشتد ألمي على طفل بالذات من بين الضحايا، كان مُمدَّدًا على أحد الأرصفة ويداه تحيطان برأسه وقد فارق الحياة، مات من لحظة خوف، سقط وهو يجري خائفًا من صراخ الطائرات واصطدم رأسُه بحافَّة الرصيف، قتله الفاجر ذو النظارة الرِّيبَان الذي يحلق في الأعلى وشاركه الفعلَ رصيفٌ أعمى بغير قلب..
بورسعيد 68هذا ما فعلته بنا بورسعيد، جعلتنا نسبق أعمارنا بسبع أو ثماني سنوات على الأقل، ونعرف أن في الدنيا ما هو غالٍ كغلاوة آبائنا وأُمهَّاتنا..
بورسعيد 68بورسعيد كلها ساحرة وليست الچيانولا فقط، أشبه بفتاةٍ حسناءَ تُخايلك بأنوثتها ودلالها وملابسها التي تشف، وبحيائها وأدبها في الوقت ذاته.. معادلة صعبة ولا شَكَّ، لكن الدلُّوعة الشقية بورسعيد كانت قادرة عليها، فهكذا كانت أو على الأقل في الزمن الذي أحكي عنه..
بورسعيد 68فالعم تودري واحد منَّا، دمه من دمنا وطباعه هي طباعنا، الحَسَن منها والرديء، فَنَفْسُ الطيبة ونَفْس الحمية والشهامة وتصرفات أولاد البلد، ونَفْس الثرثرة أيضًا والحَلِف بالله بالحق والباطل أو دَسُّ الأنف فيما يخص الغير
بورسعيد 68البابا والماما مدفونة هنا في مكابر يونانيين وكمان ابني ميناس ابن تلاتة سنة، زعل فرخ كله كله هنا، يونان بلد أنا أخبُّه كتير بس هو فين خبيبي؟ على خريطة بس، خريطة ورق، خريطة قلب فيه خاجة تاني..
بورسعيد 68ولد رأسه يصل إلى منتصف صدرك بالكاد وبقدمه صندلٌ لا يزيدُ ثمنُه على ثلاثة جنيهات، ومع هذا كنت ضئيلًا أمامه.. غلبك..
بورسعيد 68بورسعيد خبيبي هي أُمّ وأب، مس أعرف في الدنيا دي غيره، عيس وملخ مع ناس هنا، المدام بتاعي أنا اتجوِّزتُوا من هنا بنت المقدِّس لبيب بتاع البيكيا والخاجات القديم، أنا مس كوتاريللي تاجر كبير بتاع دخان وللا إستافيليدس مستورد خشب، دي ناس عنده فلوس وبيوت في أوربا وأمريكا ويقدر يعيس هناك، أنا مسكين خبيبي ولو فيه خراب لبورسعيد يبقى فيه خراب لتودري.
بورسعيد 68قلبي يومها بكى بالدموع، فلم أرَ الموت من قبل مجرمًا على هذا النحو، يفتري على إنسان بهذه الصورة! لا رحم الوجه ولا الصدر ولا الظهر أو عفا عن طرفِ من الأطراف..
بورسعيد 68إن شاء الله هنكسب، وكل حاجة هترجع زي الأول..
بورسعيد 68وفي اليوم التالي لم نجد الصور في أماكنها، ولمَّا عاتبناه أعادها وفاجأنا بأن وضع إلى جوارها صورةً للكعبة الشريفة، وقبل أن نفتح أفواهنا قال: - دي هدية مني، ولما تخلَص الحرب يبقى خدوها معاكم. أصابتني رعشةٌ مما فعل، ونهض جلال بك واقفًا وقبَّله على جبينه..
بورسعيد 68الوطن.. الكرامة.. العزة.. الكفاح.. كلمات كبيرة لا شَكَّ وكثيرًا ما سمعناها من مدرسٍ في مدرسة، أو من أبٍ أو عَمٍّ أو خال، ومن أناسٍ لا يكفُّون عن الحديث عنها في الإذاعة عقب كل نشرة من نشرات الأخبار.. […] فهمناها عندما ضربوا بورسعيد..
بورسعيد 68سحر من عالم غير عالمنا، لا نفهم شيئًا من أسراره ولا حتى السر الذي فينا ويجعلنا قادرين على الاندماج فيه، سحر نعيش فيه مع الموتى، أماكن كانت أم أَنَاسًا، وكأننا نراهم ويروننا نكلمهم ويكلموننا، ونخوض بأقدامنا لا في أماكن بعيدة بل وفي أزمان بعيدة
بورسعيد 68أيوه خبيبي أخارب، وليه لأ! أخارب وولَّعتوا نار في الدنيا دي كُلُّه! واحدة مجرم هاجمة علي بيتي وبالعافية والخناق عايزة تقعد فيه، أنا إعملتوا إيه! أحُطّ لسان جوَّه بُقّ وأقعد على كرسي واتفرجتوا عليه..!
بورسعيد 68وكم جذبتني مقاهي بورسعيد..! المقاهي البلدية، مقهى السلكاوي واليسقي وعمران وفلان وفلان ومقهى (الفلاح) بالذات عند التقاء شارع أوچيني بشارع محمد علي، والتي كانت تنبض بالحياة وكأن مصر كلها تجلس فيها وتُدَرْدِش مع بعضها البعض.
كلمات الراوي أو الشخصيات في الرواية تعبّر عن عالم العمل الأدبي لا عن آراء الكاتب الشخصية.
