المسلم اليهوديعندما كنت في مصر لم تكن تشغلني هذه الطقوس. وساعات كثيرة كنت أسمع أذان الجُمُعَة وأنا في الشارع فأتجه إلى أي صنبور أو آخذ جردل ماء من الست شوق زوجة البَوَّاب وأتوضأ. وإلى الجامع بلا مسبحة أو طاقية على الرأس. لا أعرف ما الذي جعلني أتمَّسك بهذه الطقوس هنا في باريس؟!
كمال رُحيّم
من كلماته
جمل منقولة بالنص من رواياته، كل جملة معزوّة إلى كتابها وفصلها. ما يقوله الراوي أو الشخصيات من عالم الرواية، لا من آراء الكاتب.
المسلم اليهوديأرى الناس. الأولاد والبنات. الرجل الذي يدفع عربةً أمامه وينادي على الآيس كريم. دُكَّان عَمْ مرزوق الفطاطري. عطارة الحاج محمود زوج أُمّ حسن. فرن أبو عجوة. بقالة الخواجة كافورس. وقهوة أبو عوف...
المسلم اليهودي- جلال! جلال مين ده! وهو يسوَى إيه من غير أم جلال. إنتي عايزة الحاج محمود يزعل. ثم تُربِّتُ على أمي بحنُوّ: - ربنا ما يقطعها عادة.
المسلم اليهودي- ولا تزعل يا أستاذ جلجل. ومحمد كمان نبيّ. واحتواني بنظرةٍ حانية.. كان يُحبُّني ويريد إرضائي بأي طريقة..
المسلم اليهوديوقال: إنه رأى الأوبرا مرتين. رآها من الخارج بالطبع. وهي دارٌ فخمةٌ ولا مثيلَ لها في مصر. لكن أين هي في قلبه من الأوبرا التي عندنا؟! أربعون عامًا وهو يمرُّ أمامها كلما ذهب أو جاء من ميدان العتبة.
المسلم اليهوديإنها هي التي أحبت أبي قبل أن يحبها هو. أحبته أكثر مما يحبها. ولو عادت بها الدنيا إلى الوراء ما اختارت غيره رغم ما تعرَّضت له من عذابٍ وفراقٍ للأهل والأحباب.
المسلم اليهوديفجدِّي كانت له سياسة خاصة بشراء ملابسي. يشتريها دائمًا بمقاسات أكبر لتكفيني من ثلاث إلى أربع سنوات. ولا يهمُّ أن أبدو فيها كالعبيط.
المسلم اليهوديوكأنَّ شيئًا لا يُرَى يأخذني معه إلى عالمٍ آخر غير العالم الذي أنا فيه. شيءٌ ينسال في شراييني. يغمرني من أوَّلي لآخري. من يميني ويساري.. يُرخيني.. يُهدْهِدُني.. يُخدِّرني.. يُذيبني..
المسلم اليهوديفشقَّتُنا ليست كأي شقة في العمارة وإنما كان لها دائمًا وضعُها الخاص. وأول ما يقترب منها الأولاد. الصغار منهم بالذات. كانت تنتابهم الرهبة وكأنهم مُقْدمُون على عالم سري محفوف بالغموض؛ لكنه وعلى أيَّة حال غموض جذاب يشوقهم لمعرفتنا على حقيقتنا!
المسلم اليهوديوبدوتُ وكأني مَسوقٌ إلى دنيا غير الدنيا التي أحياها وأراها كل يوم. دنيا أخافها منذ كنت صغيرًا. وأعرف أن الأهل والأحبَّة إذا دخلوها لا يرجعون.
المسلم اليهودييا بْنِي موسى ومحمد إخوة. واحنا هنربِّيك ونعلِّمك ونكبَّرك وإنت حر بعدها. عايز تدخل في دينَّا أهلًا وسهلًا وألف مرحب بيك. عايز تفضل مسلم إنت حر وإحنا برضه أهلك.
المسلم اليهوديأنا مش عارف ذنبي إيه! وللا أنا أقل من أي واحد في إيه! أنا مصري زيِّك وزي أي واحد ماشي في الشارع ويمكن أكتر كمان.
المسلم اليهودينادوا على اسمي بعد برهةِ انقطاع. قالوا: إنه النداءُ الأخير.. ولم أُجِبْ بالطبع.. فقد كانوا ينادون على شخصٍ مَيِّت..
المسلم اليهوديمش بس نادية. أنا حابب العيشة هنا. الشارع بتاعنا وعم إدريس ومحل العصير والمدرسة والجامعة اللي هدخلها وشارع الجيش. أسيب دا كله واروح بلد غريبة!
المسلم اليهوديوهكذا بقينا أنا وأمي في الشقة. وكأن كل واحد منا بلا دين.
المسلم اليهودي- إسرائيل دي مش بلدي. يمكن تكون بلد إيزاك ولَّا البت راشيل أو حتى شمعون. إنما أنا!!
المسلم اليهوديوهو انت ماتعرفش يا حبيبي إننا يهود وكتابنا التوراه. إحنا يا جلال حاجة وهُمَّا حاجة تانية.
المسلم اليهودي- أنا بحبَّك قوي يا جدِّي. عايزك تبقى مسلم علشان متدخلش النار. بالفطرة أحسستُ أن هذا الطلب الذي أطلبه ليس على هواه. وقبَّلني هو في وجنتي وسكَتْ. فقلتُ: - خلاص خلاص أنا هبقى يهودي زيِّي زيَّك.
المسلم اليهوديمسَّاكِ الله بالخير يا شقة الظاهر.. كنتِ محترمة والله. إذا قارنَّاكي بالشقة التي يسكنها جدِّي الآن.
المسلم اليهوديواعلم يا حبيبي أنك من الآن سوف تكون بمأمن. سوف أخبِّئُك في قلبي. في أعمق مكان فيه. وأغلق عليك. ولن يعرف أحدٌ أبدًا بمكانك.
المسلم اليهوديوالذي سحرني أيامها ولا يزال باقيًا في أُذُنِي إلى الآن. هو صوتُ الشيخ الدمنهوري. لم أكُنْ أعرف أن ما يتلوه هو القرآن. انجذبت إليه دون أن أفهم ما يقول.
المسلم اليهوديإسماعيل وللا إسحاق. الاتنين أولاد سيدنا إبراهيم.
المسلم اليهوديفلم أكن أعرف من قبل أن الحب جميل إلى هذه الدرجة. وأن نادية يمكن أن تفعل بي كل هذا.
المسلم اليهوديوشيئًا فشيئًا أخذت أصنع عالمًا يخصني. وتكون لي فيه أسرار. وقد أسمع كلمةً عن أبي فأشيِّد منها معمارًا في الخيال أهيم فيه.
المسلم اليهوديارجع لبلادك يا وليدي. ولي (اصبح) طبيب وللا مهندس وأكبر في بلادك. مهما كبرت في باريس ومهما عملت متوصلش حتى حاجة.
المسلم اليهوديجدِّي كان من اليهود الغلابة..
المسلم اليهوديقالت لي أمي بعد أن كبرت: إن هذه كانت عادتي. فما إن يطرأ شيءٌ على البيت. شيءٌ محزنٌ أو حتى مفرح. كنت أتركُ الدنيا كلها. الطعام. اللعب. الرضاعة. كل كل شيء. وألقي بنفسي على صدرها.
المسلم اليهوديوقبل يا خويا ما تفتي في الشرع يبقى استفهم. روح الأول لسيدنا في الكُتَّاب واسأله. خلِّيه يقرِّيك القرآن من أول وجديد ويعرَّفك إن دُول من أهل الكتاب وليهم عندنا عهود.
المسلم اليهوديوكأن قدميَّ قد خفَّتا وأطير في الهواء. وأدخل دفعةً واحدة في بكاءٍ ونشيجٍ ولا أكفُّ عن الصياح بأعلى صوتي: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
المسلم اليهوديطغى عليَّ لحظتها إحساسٌ جارفٌ بأن هذا الذي أتأمله يخصُّني أنا. أملكه وحدي. وأن نادية مني. من أهلي. وأنا الآخر منها.
المسلم اليهوديفي الليل سألتُ أمي عن أبي؟ قالت: ذهب إلى الحرب ولم يَعُدْ. قلت: متى يعود؟ قالت بشيءٍ من الحِدَّة: مات يا جلال. مات. مات.
المسلم اليهوديوأقول لنفسي لو عشت هنا العمر كله ما الذي أفعله مع هؤلاء الناس الشُّقْر شديدي البياض. الذين يلبسون الأحذية الطويلة ذات الجلد السميك وعلى رءُوسهم القُبَّعات.. وتمرُّ أمامي فتاتان من طالباتِ المدارس. فأهيمُ بقلبي ناحية حي الظاهر وشارع عباس..
المسلم اليهوديالهداية من عند الله يا بْنِي. وبعدين أُمَّك مش كافرة زَيّ الراجل الناقص ده ما بيقول. أُمّك سِتَ من أهل الكتاب. ست طيبة وأبوها راجل طيب وعشرة ييجي تلاتين سنة.
المسلم اليهوديلم نعرف بوفاة أبي إلا بعدها بشهر..
المسلم اليهوديكُنَّا في أول الحصاد. والفَرح مولود لتَوِّه. وريحُه تسري في كل مكان.
المسلم اليهوديورغم أني أطلتُ النظرَ فيه هذه المرة. إلا أنه كلما استدعيته إلى خاطري بعدها لم أكن أستدعيه إلَّا على الحال الذي كان عليها يوم أن رأيته وأنا صغير.
المسلم اليهودييا ستِّي هنا ولَّا هناك آهي كلها عيشة وكلنا ولاد آدم وحَوَّا.
المسلم اليهودينصيحتي لك يا بْنِي انك تبعد عنها. أنا واحدة مليَّاش حد ومش قَدّ المشاكل. وللا حد يقولِّي صنفك إيه وللا مِلِّتك إيه! أنا يا بْنِي اللي فيَّه مِكَفِّيني.
المسلم اليهوديبعد سفر جدِّي مات البيت. وفقدَتْ أمي نضارتها..
المسلم اليهوديلم نألف هذا الطعام الممتع من قبل. وكانت أمي تعرف أنه ثقيل على المعدة. ومع ذلك كُنَّا ننزل عليه بالملاعق أنا وهي كأنه آخرُ زادٍ لنا في الحياة الدنيا. افترينا والله على أنفسنا.
كلمات الراوي أو الشخصيات في الرواية تعبّر عن عالم العمل الأدبي لا عن آراء الكاتب الشخصية.
