بصوت العائلة
حين درّب قلمه على خياله
حكاية بدايات كمال رُحيّم مع الكتابة الأدبية

كان كمال رُحيّم عاشقًا للمعرفة والقراءة طوال حياته، لكن أكثر ما كان يميزه في كل ما يفعله هو ذلك السعي الدائم إلى الإتقان.
لم يكن الكمال بالنسبة إليه مجرد أن يؤدي عملًا بصورة جيدة، أو أن ينال إعجاب الآخرين. كان يبحث عن مستوى من الإتقان لا يحدده أحد سواه؛ مستوى يشعر هو نفسه أنه يقترب مما أراد تحقيقه.
وربما كانت هذه السمة من شخصيته مفتاحًا لفهم الطريقة التي بدأ بها رحلته مع الأدب.
أتذكر، وأنا طفل، فترة إقامتنا في سلطنة عُمان. كان لدى والدي آنذاك متسع من الوقت أتاح له أن يتفرغ بصورة أكبر لواحد من أعمق اهتماماته: القراءة والكتابة.
كان قد قرأ بالفعل قدرًا هائلًا من الأدب، من الروايات العربية والمصرية إلى الأدب الروسي والفرنسي، وأعمال أدبية مترجمة من أنحاء مختلفة من العالم.
لكنه حين أراد أن يكتب الأدب بنفسه، لم يكتفِ بكل ما قرأه من روايات.
قرر أن يدرس الكتابة ذاتها.
بدأ يقرأ عشرات الكتب في النقد الأدبي وأصول الكتابة، ويدرس بعمق كيف تُبنى الأعمال الأدبية، وكيف يستطيع الكاتب أن يحوّل أفكاره وخياله إلى نص حي.
وأذكر أنه أمضى شهورًا يتدرب على الكتابة.
كان يريد أن يصل إلى مرحلة يستطيع فيها قلمه أن يستجيب تمامًا لما يتخيله عقله؛ أن يصف الأشياء كما يراها في خياله، وأن يدخل إلى شخصياته ويتقمصها، ثم ينقل ذلك كله إلى الورق بالصورة التي يريدها.
لم يكن الأمر مجرد محاولة للعثور على الكلمات المناسبة، بل تدريبًا طويلًا على أن تصبح الكتابة أداة قادرة على التعبير عن عالمه الداخلي.
كان يدرب قلمه حتى يستطيع أن يكتب ما يتخيله، لا مجرد ما يستطيع قلمه أن يكتبه.
بدأ بالقصص القصيرة.
كانت تلك بداياته الأدبية التي أتذكرها، وقد كتب قصصًا جميلة شجعته على أن يخطو خطوة أكبر نحو عالم الرواية.
ثم جاءت فكرة رواية تتناول البحث عن الذات ومواجهة التعصب، من خلال حكاية جلال في «المسلم اليهودي».
كانت تلك بداية دخوله عالمًا روائيًا أوسع، عالمًا استطاع فيه أن يستخدم ما قرأه وتعلمه وتدرب عليه، وأن يمنح الشخصيات والأحداث المساحة التي يحتاجها خياله.
وحين أنظر اليوم إلى تلك الفترة، أجد أن أكثر ما يستحق التوقف عنده ليس فقط ما كتبه والدي بعد ذلك، وإنما الطريقة التي استعد بها للكتابة.
فقد كان قارئًا نهمًا قبل أن يصبح روائيًا، وكان تلميذًا مجتهدًا لفن الأدب قبل أن يقدم أعماله إلى القراء.
وربما كانت هذه واحدة من أهم سماته: أنه مهما بلغت معرفته، لم يكن يرى أن حب الشيء وحده يكفي لإتقانه.
قبل أن يصنع كمال رُحيّم عوالمه الروائية، أمضى وقتًا طويلًا يتعلم كيف يمنح خياله اللغة التي يستحقها.
رواها ابنه أحمد
