بصوت العائلة
الأتاري الذي اشتريته بكتاب
كيف علّمني أبي أن أحب القراءة

كان والدي، كمال رُحيّم، عاشقًا للعلم والمعرفة والقراءة. وكانت لديه مكتبة ضخمة وثرية، تضم أعدادًا هائلة من الكتب، بينها أحيانًا كتب نادرة يصعب العثور عليها.
أتذكر تلك المكتبة جيدًا، خصوصًا خلال السنوات التي عشنا فيها في سلطنة عُمان.
كنت وقتها في السادسة عشرة والسابعة عشرة من عمري، وكانت الحياة هناك أحيانًا أهدأ كثيرًا مما اعتدناه في مصر. وفي أوقات الفراغ، كنت أبحث بين كتب والدي عن شيء أقرؤه.
لكن كثيرًا من تلك الكتب كان أعمق من اهتماماتي في تلك السن، وأصعب مما كنت مستعدًا له.
وكان أبي يريد أن يشجعني على القراءة. لم يفعل ذلك بالأوامر أو الإلحاح، وإنما ابتكر طريقة ذكية تناسب اهتمامات شاب في مثل عمري.
كلما أردت شيئًا أتمنى اقتناءه، كان مستعدًا لأن يشتريه لي. لكن في المقابل، كان عليّ أن أختار كتابًا وأقرأه، ثم أجلس معه لنتناقش فيه، حتى يتأكد أنني قرأته وفهمت ما استطعت منه.
وهكذا أصبحت الكتب بالنسبة إليّ طريقًا إلى أمنياتي الصغيرة والكبيرة.
بهذه الطريقة حصلت على جهاز أتاري، ثم على جهاز ستيريو لا أنساه حتى الآن. وكان ثمن كل ذلك أن أقرأ.
ومن أكثر المواقف التي أتذكرها أنني ذهبت ذات مرة إلى مكتبة والدي، واخترت كتابًا بعنوان «الإنسان روح لا جسد» للدكتور رؤوف عبيد.
وعندما رآني أبي أحمل الكتاب، بدا عليه الاستغراب من اختياري، وسألني إن كنت متأكدًا أن هذا هو الكتاب الذي أريد قراءته، وعرض عليّ أن أختار شيئًا آخر.
لكنني لم أكن أريد أن أعترف له بأن معظم الكتب في مكتبته كانت صعبة عليّ أصلًا! فتمسكت باختياري، وبدأت القراءة.
وجدت نفسي أمام أفكار جديدة عليّ تمامًا، بعضها حيّرني، وبعضها أربكني، لكنها في الوقت نفسه أثارت فضولي.
ولم تكن تلك تجربتي الوحيدة مع الكتب الصعبة. فقد أردت أيضًا أن أعرف ما الذي كتبه أبي في رسالة الدكتوراه. حاولت أن أقرأها، لكنني وجدت نفسي أمام موضوعات شديدة التعقيد بالنسبة إلى شاب لم يدرس القانون بعد.
وعندما لاحظ أبي أنني أحاول فهم رسالته، لم يكتفِ بأن يقول لي إنها سابقة لأوانها. جلس معي وبدأ يشرح.
شرح لي معنى الاشتراكية، وتحدث معي عن أنظمة الحكم، وعن القانون، محاولًا أن يقرب إلى ذهني مفاهيم لم أكن قد درستها بعد.
ربما لم أستوعب كل ما قاله، لكنني رأيت اهتمامه بأن أفهم، وبأن أتعلم، وبأن أظل أطرح الأسئلة.
واليوم أبتسم كلما تذكرت الأتاري والستيريو والكتب التي قرأتها لأحصل عليهما. لكنني أدرك أن أبي كان يمنحني شيئًا أبقى بكثير من تلك الأشياء.
لقد كان يستخدم ما أحبه أنا، ليقربني مما أحبه هو: العلم والمعرفة والقراءة.
تغيرت قيمة تلك الأشياء مع السنوات، أما ذكرى المكتبة، والكتب الصعبة، وجلسات الشرح مع أبي، فما زالت حاضرة في ذاكرتي.
لقد أراد أن يفتح أمامي أبواب المعرفة، حتى وإن بدأت الرحلة برغبة شاب في امتلاك جهاز أتاري.
رواها ابنه أحمد
دراسة قانونية ذات صلة: السلطة في الفكرين الإسلامي والماركسي: دراسة مقارنة ←

