عوالم كمال رُحيّم The Worlds of Kamal Ruhayyim

بصوت العائلة

حين حاول أن يكون أبًا وأمًا

«أول مرة أشوف بابا بيحاول يبقى أب وأم في نفس الوقت».

كان كمال رُحيّم أبًا قوي الشخصية، حازمًا في تربية أبنائه، شديدًا حين يرى أن الموقف يستدعي الشدة. ورغم ما عُرف عنه من طيبة القلب ولطف المعشر، فقد كانت له في البيت هيبة الأب الذي لا يتهاون في المبادئ والتربية.

وكانت الدكتورة سوزان سالم، زوجته وحبيبته، تكمل هذا الجانب من شخصيته.

فحين يشتد الأب، كانت الأم تحتوي. وحين يحزم هو أمرًا، كانت هي تلين القلوب وتطيب الخواطر. وبين حزم كمال وحنان سوزان، نشأ الأبناء في بيت عرف لكل منهما دوره وطريقته الخاصة في التعبير عن الحب.

ثم رحلت سوزان.

لم يكن رحيلها مجرد فقدان لزوجة وشريكة حياة، بل كان انكسارًا عميقًا لرجل أحبها حبًا شديدًا، وعاش معها سنوات طويلة من الألفة والمودة.

وهنا بدأ تحول لم يكن أبناؤه يتوقعونه.

فالرجل الذي عرفوه قويًا، حازمًا، معتادًا على تحمل المسؤوليات الكبرى واتخاذ القرارات الصعبة، وجد نفسه أمام مسؤولية مختلفة تمامًا.

كان عليه أن يكون أبًا وأمًا في الوقت نفسه.

وللمرة الأولى، رأى أحمد أباه حائرًا، يحاول أن يتعلم كيف يؤدي ذلك الدور الذي كانت سوزان تؤديه بفطرتها وحنانها.

لم يكن الأمر سهلًا عليه.

فهو الأب الذي اعتاد أن يكون صاحب الحزم، بينما كانت الأم ملاذ الأبناء حين يحتاجون إلى المواساة والاحتواء. وفجأة، أصبح عليه أن يجمع النقيضين؛ أن يحتفظ بقوته، وأن يتعلم كيف يعوض شيئًا من الحنان الذي غاب برحيلها.

وبذل كمال في ذلك جهدًا هائلًا.

بدأ يتغير، ويبحث عن طريقة أخرى للتعامل مع أبنائه. وشيئًا فشيئًا ظهر جانب من شخصيته لم يكن أحمد قد عرفه بهذا الوضوح من قبل.

لم تختفِ قوة الأب، ولم تتبدل مبادئه، لكنه أصبح يحاول أن يمنح أبناءه ما كان يمنحهم إياه، وما كانت تمنحهم إياه أمهم أيضًا.

وقد نجح، كما يراه أحمد، في أداء هذا الدور الصعب.

ربما كان ذلك أحد أعظم التحديات الإنسانية التي واجهها كمال رُحيّم؛ أن يواصل الحياة دون المرأة التي أحبها، وأن يتحمل ألم غيابها، وفي الوقت نفسه يحاول أن يملأ شيئًا من الفراغ الذي تركته في حياة أبنائه.

لم يصبح كمال شخصًا آخر بعد رحيل سوزان، بل كشف فقدانها عن حنان عميق كان على قلبه أن يتعلم كيف يُظهره بطريقة جديدة.

رواها ابنه أحمد